القرطبي

347

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لما ذكر أهل الشقاء ذكر أنه لم يظلمهم ، وأن تقدير الشفاء عليهم وسلب سمع القلب وبصره ليس ظلما منه ، لأنه مصرف في ملكه بما شاء ، وهو في جميع أفعاله عادل . " ولكن الناس أنفسهم يظلمون " بالكفر والمعصية ومخالفة أمر خالقهم . وقرأ حمزة والكسائي " ولكن " مخففا " الناس " رفعا . قال النحاس : زعم جماعة من النحويين منهم الفراء أن العرب إذا قالت " ولكن " بالواو آثرت التشديد ، وإذا حذفوا الواو آثرت التخفيف ، واعتل في ذلك فقال : لأنها إذا كانت بغير واو أشبهت بل فخففوها ليكون ما بعدها كما بعد بل ، وإذا جاءوا بالواو خالفت بل فشددوها ونصبوا بها ، لأنها " إن " زيدت عليها لام وكاف وصيرت حرفا واحد ، وأنشد : * ولكنني من حبها لعميد * فجاء باللام لأنها " إن " . قوله تعالى : ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ( 45 ) قوله تعالى : ( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا ) بمعنى كأنهم خففت ، أي كأنهم لم يلبثوا في قبورهم . ( إلا ساعة من النهار ) أي قدر ساعة : يعني أنهم استقصروا طول مقامهم في القبور لهول ما يرون من البعث ، دليله قولهم : " لبثنا يوما أو بعض يوم " ( 1 ) [ الكهف : 19 ] . وقيل : إنما قصرت مدة لبثهم في الدنيا من هول ما استقبلوا لا مدة كونهم في القبر . ابن عباس : رأوا أن طول أعمارهم في مقابلة الخلود كساعة . ( يتعارفون بينهم ) في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في " يحشرهم " . ويجوز أن يكون منقطعا ، فكأنه قال فهم يتعارفون . قال الكلبي : يعرف بعضهم بعضا كمعرفتهم في الدنيا إذا خرجوا من قبورهم ، وهذا التعارف تعارف توبيخ وافتضاح ، يقول بعضهم لبعض : أنت أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر ، وليس

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 374 .